عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

38

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )

توجيه الرفاعي إلى العناية بالعلم باللّه تعالى وقال الشيخ أحمد الرفاعي - رضي اللّه عنه - لتلامذته : « تعلموا هذا العلم فإن جذبات الحق في زماننا قلّت » . يريد بالجذبات المجذوبين ، يعني أن المجذوبين قلّوا في الزمان ، وسبب قلّتهم عدم تعرض أهل الزمان لنفحات الرحمن ، وإن شئت قلت عدم التحلي لقبول فيض التجلي . ثمرة أعمال أهل اللّه تعالى وقد يكون قصد الشيخ بقلّة الجذبات ، قلّة ظهورها على أهل الزمان ، لا لكونها قليلة في نفس الأمر ، لأن اللّه تعالى لم يزل متجليا بجميع تجلياته ، مفيضا على خلقه بمقتضيات أسمائه وصفاته ، ولقد بلغني عن شيخي الشيخ إسماعيل الجبرتي - رضي اللّه عنه - أنه قال يوما لبعض إخواني من تلامذته : « عليك بكتب الشيخ محيي الدين بن العربي » . فقال له التلميذ : يا سيدي إن رأيت أصبر حتى يفتح اللّه علي به من حيث الفيض . فقال له الشيخ : « إن الذي تريد أن تصبر له هو عين ما ذكره الشيخ لك في هذه الكتب ، هذا كلامهم - رضي اللّه عنهم - للتلامذه والإخوان إنما هو لتقريب المسافة البعيدة إليهم وتسهيل الطريق الصعب عليهم ، لأن المريد قد ينال بمسألة من مسائل علمنا هذا ما لا يناله بمجاهدة خمسين سنة ، وذلك لأن السالك إنما ينال ثمرة سلوكه وعلمه ، والعلوم التي وصفها الكمل من أهل اللّه تعالى هي ثمرة سلوكهم وأعمالهم الخالصة ، فكم بين ثمرة عمل معلول إلى ثمرة عمل مخلص ، بل علومهم من وراء ثمرات الأعمال ؛ لأنها بالفيض الإلهي الوارد عليهم على قدر وسع قوابلهم ، فكم بين قابلية الكامل من أهل اللّه وبين قابلية المريد الطالب ، فإذا فهم المريد الطالب ما قصده من وضع المسألة في الكتاب وعلمه ، استوى هو ومصنفه في معرفة تلك المسألة فنال بها ما نال المصنف ، وصارت له ملكا مثل ما كانت للمصنف . وهكذا كل مسألة من مسائل العلوم الموضوعة في الكتب فإن الأخذ لها من المعدن الذي أخذ منه مصنفها » . نتيجة مطالعة كتب الحقيقة وما ورد عن بعض أهل اللّه من منع بعض التلامذة عن مطالعة كتب الحقيقة ، لأن قاصر الفهم لا يخلو إما أن يتناول كلامهم على خلاف ما أرادوه فيستعمله فيهلك أو يضيع العمر في تصفح الكتب بلا فائدة ، فنهي الشيخ لمثل هذا عن مطالعة هذه الكتب واجب ليشتغل بغيرها مما فيه نفعه .